عبد الملك الجويني

542

نهاية المطلب في دراية المذهب

[ لما ] ( 1 ) أبغيه من مداركها ، بل أخاف أن يتبرّموا ( 2 ) بها . ثم الأولون لم يعتنوا بالاحتواء على ضبط الأشياء ، والتنبيه على طريق التقريب فيها ، ويشتد ذلك جداً في الإحالة على الأمور المرسلة ، التي لا يثبت توقيف خاص شرعي فيه ، كما نحن الآن مدفعون إليه من لزوم الاتباع وتركِ الاقتصار على أدنى مراتب الأذكار ، ثم لم تثبت ألفاظ مضبوطة حسب ثبوتها في التشهد والقنوت وغيرهما ، فجرّ ذلك ما أنهيتُ الكلام إليه من التردّدات ( 3 ) . 1467 - وأما الدعاء ، فيكفي فيه الدعاء للمؤمنين كافةً ، بجهةٍ من الجهات ، وأرى ذلك متعلّقاً بأمور الآخرة ، غيرَ مقتصر على أوطار الدنيا ، والعلم عند الله . فهذا بيان أركان الخطبة . 1468 - وكان شيخي يقول : لو قرأ الخطيب في كل ركن من الأركان آية مشتملةً على المعنى المطلوب ، فأتى بآيٍ من القرآن على هذا الترتيب لا يُجزيه . والأمر مقطوع به في المذهب . كما قال ؛ فإن الذي جاء به لا يسمى خطبة ، وقد تقرر أن الخطبة أوجبت ذكراً ، وإن لم يعيَّن ، فهو من هذه الجهة كالتشهد والقنوت ، غير أن الأذكار متعيّنة فيهما ، وهو غير متعيّن في الخطبة ، وإلا فالكل سواء في أنه شرع ذكراً ، ولكنه عُيّن في التشهد ، وأُبهم في الخطبة ، وفيه فقهٌ حسن ؛ فإن الخطباء لو لزموا شيئاً واحداً ، وأنس به الناس ، وتكرر على مسامعهم ، لأَوْشَك ألاّ تحصل فائدة الوعظ ؛ فإن النفوس مجبولة على قلة الاكتراث بالمعادات ، فهذا كذلك ، وإن كنت لا أشك في أن الخاطب لو لزم كلمات معهودة في ركن الوعظ ، أو كان يُعيدُها ، فيكفيه ذلك ؛ فإنه قد يختلف السامعون ، ويتبذلون في كل وقت .

--> ( 1 ) في الأصل ، وفي ( ط ) : بما . والمثبت من ( ت 1 ) . ( 2 ) في الأصل ، و ( ط ) : " يبين مواتها " . وهو تصحيف عجيب . ( 3 ) قال الإمام : إن بلاءه من شيئين ، ثم ذكر أحدهما ، ولم يذكر الثاني ، فهل أضرب عن ذكره ؟ - وهو ما أرجحه - وذلك سائغ معهود ، أم هو ما أشار إليه من عدم اعتناء الأولين بضبط الأشياء ؟ أنا لا أظن ذلك ؛ فدائماً هو يعتذر عن الأولين بأنهم أدَّوْا ما عليهم بحسب ما كان مطلوباً منهم في زمانهم . والله أعلم .